من مقاعد الهندسة إلى عالم الميول المهنية… حكاية لم أنسها
موقف بسيط جمعني بأحد زملائي في كلية الهندسة بعد حصوله على إنذار أكاديمي قاده إلى تغيير تخصصه واكتشاف مسار مهني يناسب ميوله. وبعد سنوات أعادت دورة عن مقياس Strong للميول المهنيه والدراسية هذه القصة إلى ذاكرتي لتصبح إحدى التجارب التي ألهمتني في رحلتي نحو الإرشاد والتطوير المهني وتأسيس منصة «ميول».
4 دقائق قراءة· 15 أكتوبر 2026

من مقاعد الهندسة إلى عالم الميول المهنية… حكاية لم أنسها
من مقاعد الهندسة إلى عالم الميول المهنية… حكاية لم أنسها
كيف أعادت لي دورة تدريبية ذكرى موقف جامعي حدث قبل سنوات؟
كان الوقت ظهرًا في أحد أيام الفصل الدراسي الصيفي عندما أتى أحد زملائي لغرفتي ونحن ندرس الهندسة الكهربائية في الجامعة
كان قد حصل على إنذار أكاديمي بعد أول فصل دراسي له في التخصص، وجاء يطلب مني النصيحة: ماذا أفعل؟
جلسنا نتحدث عن دراسته وعن أسباب تعثره وعن الأشياء التي يحبها ويجيدها.
كنت أعرف أن لديه موهبة في الرسم، وأنه يستمتع بهذا الجانب، فتحدثنا عن إمكانية الانتقال إلى تخصص يجمع بين الهندسة واهتماماته الفنية.
وكانت الهندسة المعمارية أحد الخيارات التي ناقشناها
وبعد حديثنا اقتنع بفكرة تغيير تخصصه وقرر الانتقال إلى الهندسة المعمارية
وما حدث بعد ذلك كان لافتًا بالنسبة لي
فقد تغيرت تجربته الجامعية بصورة واضحة أصبح أكثر حماسًا وطاقة وسعادة وبدأ يشارك في الأنشطة الجامعية ويوسع دائرة معارفه ويستمتع بما يدرسه
حتى إنه تخرج بمرتبة الشرف!
ولم تتوقف القصة عند التخرج فقد بدأت تصله عروض العمل وهو لا يزال طالبًا بآخر فصل دراسي ثم التحق بأحد المكاتب الهندسية بعد تخرجه واكتسب الخبرة قبل أن يفتتح مكتبه الخاص
مضت السنوات وانشغل كل منا بحياته ومساره المهني
عندما عادت القصة إلى ذاكرتي
بعد سنوات طويلة وخلال حضوري أول دورة تدريبية عن مقياس سترونج للميول المهنية والدراسية (Strong Interest Inventory) عادت إلى ذهني قصة صديقي
كنت أتعرف في تلك الدورة على أهمية الاهتمامات المهنية وكيف يمكن أن تساعد معرفة الإنسان بميوله في استكشاف التخصصات والمجالات المهنية التي قد يجد فيها قدرًا أكبر من الرضا والاندماج
وهنا تذكرت ذلك الموقف في الجامعة
تذكرت صديقي الذي تعثر في الهندسة الكهربائية ثم رأيته بعد انتقاله إلى الهندسة المعمارية أكثر تفاعلًا ونجاحًا واستمتاعًا بتجربته
وأدركت أن ما كنا نتحدث عنه في تلك الدورة له أمثلة حقيقية مرّت أمامنا في الحياة حتى وإن لم نكن نعرف المصطلحات العلمية التي تفسره في ذلك الوقت
لم نستخدم يومها مقياسًا للميول ولم تكن جلستنا جلسة إرشاد مهني بالمعنى المتخصص كانت مجرد جلسة بين صديقين أحدهما يواجه مشكلة دراسية ويبحث عن النصيحة.
لكنها أصبحت بالنسبة لي مثالًا على أهمية أن يعرف الإنسان اهتماماته وألا ينظر إلى اختياراته الدراسية والمهنية باعتبارها قرارات لا يمكن مراجعتها
وهل تنتهي أسئلة الميول المهنية بعد التخرج؟
تخرجت من الجامعة بتخصص بالهندسة الكهربائية وعملت في هذا المجال لأكثر من عشرين عامًا
ومع دخولي عالم الإرشاد والتطوير المهني أصبحت أنظر إلى موضوع الميول من زاوية أوسع
فالسؤال عن المجال المناسب لا يقتصر على الطالب الذي يختار تخصصه الجامعي
هناك موظف أمضى خمس سنوات في عمله وآخر عشر سنوات وربما شخص لديه خبرة تمتد لأكثر من عشرين عامًا
قد يكون أحدهم ناجحًا في عمله لكنه يشعر بأن تطوره المهني توقف أو أنه لم يعد يجد الحماس نفسه أو يرغب في اكتشاف فرص جديدة للاستفادة من خبراته واهتماماته.
وهنا لا يكون الحل بالضرورة هو الاستقالة أو تغيير المهنة.
فربما يحتاج إلى التعرف على نفسه بصورة أعمق أو تطوير مهارات جديدة أو اكتشاف فرص مختلفة داخل مجاله الحالي.
فمعرفة ميولنا لا تعني أن نغيّر مسارنا دائمًا بل تساعدنا على اتخاذ قرارات مهنية أكثر وعيًا.
ومن هنا جاءت «ميول»
مع تعمقي في مجال الإرشاد والتطوير المهني أصبح لدي اهتمام أكبر بمساعدة الأفراد والمنظمات والقادة على فهم الاهتمامات المهنية واستكشاف الامكانات الكامنة ان صح التعبير والتخطيط لمستقبل مهني أكثر نضجا ووعياً ومرونه.
ومن هنا جاءت فكرة منصة «ميول»
أردتها مساحة أشارك من خلالها المعرفة والتجارب والأدوات التي تساعدنا على فهم أنفسنا مهنيًا سواء كنا في بداية الطريق أو قطعنا فيه سنوات طويلة
سنتحدث هنا عن الميول المهنية وتطوير المسار والنمو داخل العمل والخيارات التي يمكن أن تصنع فرقًا في حياتنا المهنية
وستبقى قصة صديقي من القصص التي أستحضرها عندما أفكر في أهمية أن يجد الإنسان المجال الذي يتناسب مع اهتماماته.
فقد يكون القرار الذي نحتاج إليه أحيانًا ليس أن نبذل جهدًا أكبر بل أن نفهم أولًا أين وكيف نستثمر هذا الجهد.
وأتركك مع سؤال:
لو عدت اليوم إلى بداية مسارك الدراسي أو المهني، هل كنت ستختار الطريق نفسه؟
وإذا كانت إجابتك لا، فما الذي تعرفه عن نفسك اليوم ولم تكن تعرفه في ذلك الوقت؟
عمر العماري
مؤسس منصة ميول للإرشاد والتطوير المهني
